خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الإمام الهادي(ع) أحد أصحابه هذا الإمام (ع) الذي نستعيد ذكرى ولادته في الخامس عشر من شهر ذي الحجة حين قال له: “اذكر مصرعك بين يدي أهلك، ولا طبيب يمنعك، ولا حبيب ينفعك”، حيث يدعو الإمام (ع) أن نتذكر اللحظة التي نغادر فيها الحياة حيث لا يستطيع أهلنا ولا أحباؤنا ولا الطبيب الذي يعالجنا أن يمنعوا عنا الموت، ويقفون عاجزين عن نجدتنا رغم شدة حرصهم على حياتنا…

نتذكر تلك اللحظة حتى نستعد لها للقيام بما ينفعنا ويقينا مما سنواجهه حين نقف وحدنا في قبرنا، وبعد ذلك بين يدي ربنا والاستعداد لذلك كي نكون مزودين بالإيمان المقرون بالعمل الصالح والاثر الطيب الذي نتركه في حياة الاخرين ..

إننا احوج ما نكون إلى الأخذ بهذه الوصية حتى نكون بذلك أكثر التزاماً بهذا الإمام(ع) وولاء له وأكثر وعياً بالحياة التي لن نأخذ منها حين نغادرها لا مالا ولا جاها ولا أولاداً، بل عملاً وسيرة طيبة… وبذلك نكون أكثر مسؤولية وقدرة على مواجهة التحديات.

والبداية من الانهيار الذي أصاب هذا البلد والذي لم تقف تداعياته عند حدود ما يعانيه اللبنانيون للحصول على الحد الأدنى من احتياجاتهم، بل وصل إلى حد عدم قدرة الدولة على تأمين الاحتياجات اللازمة لتسيير مرافقها، والتدني في رواتب الإداريين والموظفين والعاملين فيها، والتي لم تعد تؤمن لهم أبسط مقومات حياتهم ولا تكفي لانتقالهم إلى مراكز عملهم، ما أدى إلى الإضراب العام والشامل والذي دخل اليوم أسبوعه الرابع وبات يتوسع ليعم كل مرافق الدولة، ونخشى أن يصل إلى الجيش والقوى الأمنية.

كل ذلك يحصل من دون أن تبدو في الأفق أي معالجة تذكر على هذا الصعيد، في وقت تدعو الحاجة إلى معالجة سريعة نظراً إلى الانعكاسات السلبية للإضرابات على صورة الدولة وعلى مصالح المواطنين وحاجاتهم الماسة إلى هذه المرافق لتسيير شؤونهم.

وهنا ننبه أن لا تكون المعالجات موضعية كالتي حدثت مع القضاة رغم أهمية الحاجة إلى هذا المرفق والتي قد تصل إلى مرافق أخرى ما يضر بوحدة الدولة ووحدة مؤسساتها.

ومع الأسف، تأتي هذه اللامبالاة في ظل كل الترهل الذي يشهده الواقع السياسي والحكومي حيث يستمر التعقيد على صعيد تأليف الحكومة والذي تترجمه البيانات المتبادلة والحادة والاتهام بالتعطيل والجمود في الاتصالات التي تجري لإزالة العقبات التي تحول دون هذا التأليف.

ومن هنا، فإننا نقف مع كل الحريصين على هذا البلد، لندعو إلى بذل كل الجهود وتجاوز كل الحسابات الخاصة والمصالح الفئوية التي تؤمن الإسراع في تأليف حكومة كاملة الصلاحية قادرة على مواكبة هذه المرحلة الصعبة، والتي نخشى إن استمرت أن تؤدي إلى الانفجار الاجتماعي الذي لا تُعرف تداعياته…

في هذا الوقت، يعود ملف ترسيم الحدود إلى الواجهة بعد اللامبالاة التي أظهرها العدو إزاء حقوق اللبنانيين في الحصول على ثرواتهم النفطية والغازية والتي تمثل عصب الحياة لهم، وعدم أخذه في الاعتبار ما تعنيه الرسالة التي حملتها المسيرات التي كان يراد منها تحذير العدو من الاستمرار في سعيه لاستخراج الغاز، ما جعل المقاومة الحريصة على ثروات الوطن كما على أرضه أن تصعد في موقفها تجاه هذا العدو، ولتقول له مجدداً أن لا يستمر في اللامبالاة وأنه لا يحق له الاستفادة من الغاز فيما اللبنانيون الذين يعانون الجوع يُمنعون من ذلك.

إننا ندعو الدولة اللبنانية المعنية بالمفاوضات إلى الاستفادة من هذا الموقف إلى أبعد الحدود في عملية التفاوض لتحصيل الحقوق، وإلى التحرك على الصعيد الدولي للتأكيد على حق اللبنانيين بثروتهم ومدى حاجتهم إليها منعاً لاستمرار المناورات التفاوضية والمماطلة الإسرائيلية التي تهدف لتمرير الوقت الكافي لفرض أمر واقع يكرس فيه العدو سيطرته، ويحقق ما يعلن عنه بأنه سيقوم باستخراج الغاز في أيلول دون أي اعتراف بالحقوق اللبنانية والتي يرى نفسه غير معني بها.

إننا أمام ما يجري ندعو اللبنانيين إلى أن يوحدوا جهودهم في هذه المرحلة وأن لا ينقلوا الخلافات إلى داخلهم، وأن يقفوا صفاً واحداً في مواجهة الاحتلال الجديد لثروتهم بدلاً من المواقف التي يستفيد منها العدو…

ونبقى على صعيد ما يجري في المنطقة في أعقاب زيارة الرئيس الأمريكي إليها والتي أصبح من الواضح أن الهدف منها هو دعم الكيان الصهيوني وتعزيز حضوره في المنطقة ليكون له الموقع المميز فيها في المرحلة القادمة والأقوى فيها، بحيث يصبح مكوناً أساسياً من المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية للمنطقة، والمستفيد من خيراتها وإمكاناتها من خلال توسيع التطبيع معها، متناسياً في ذلك الأهداف التوسعية لهذا الكيان وحقوق الشعب الفلسطيني ومعاناته المستمرة، وآخرها ما جرى للصحافية شيرين أبو عاقلة الأميركية الجنسية…

ونحن على هذا الصعيد ندعو الدول العربية والخليجية الذي جاء الرئيس الأميركي لاسترضائها والحصول على نفطها بالكلمات والوعود المعسولة التي أثبت الماضي القريب والبعيد عدم جدواها، بأن تأخذ هذه المرة في الاعتبار مصالحها، وتؤكد استقلاليتها وتفرض خياراتها من موقع قوتها وحاجة العالم إليها فلا تكون صدى لخيارات الآخرين أو تبقى كما يراد بقرة حلوب عندما تدعو إليها الحاجة أو ساحة لحروب تستنزف مواردها وقدراتها.

من ناحية أخرى، تطل علينا في هذه الأيام ذكرى حرب تموز الذي أثبت فيها لبنان مجددا وبعد انتصار العام 2000 قدرته على مواجهة هذا العدو ورد عدوانه ومنعه من تحقيق الأهداف التي أرادها من خلال هذه الحرب بفضل تلاحم مقاومته وجيشه وصمود شعبه…

وهنا نستذكر في هذا اليوم إصرار السيد(رض) على إقامة صلاة الجمعة في هذا المسجد رغم خطورة الوضع في هذا المكان ليؤكد على أهمية هذه الصلاة مثبتاً إرادة الصمود في هذه المعركة، واحتضانه للمقاومين وعدم تركهم في الأوقات الصعبة.

إننا إذ نستعيد هذه الذكرى، لا لتبقى في الماضي لنتذكر الانتصارات ونقف عندها، بل لنأخذ منها الإرادة والعزيمة لمواجهة التحديات التي نشأت بعد هذا الإنجاز، بأن نعزز مكامن القوة التي أدت إليه واستنفار كل عناصر النهوض لوقف ما حدث من انهيار اقتصادي وانقسام سياسي أديا إلى إضعاف الوطن، ولنواجه بالعزيمة نفسها والإرادة والوحدة التحدي الجديد الذي يمارسه العدو الصهيوني من خلال عدوانه على الثروة الغازية.

وأخيراً نبارك للطلاب الذين نجحوا في امتحانات الشهادة الرسمية، وفي الوقت نفسه نحذر من التعبير عن الفرح بنجاحهم بإطلاق الرصاص نظراً لكونه ليس أسلوباً للتعبير، ولتداعياته الخطيرة والقاتلة، كما شهدنا سابقاً وقد نشهد ذلك لاحقاً.